سليم صفي الدين يكتب: كانت بيننا ليلة

2018-11-08 22:39:38 منوعات ...






 

"كانت بيننا ليلة.. نثرنا
الحب فوق ربوعها العذراء فانتفضت.. وصار الكون بستانا.. وفوق تلالها الخضراء.. كم سكرت
حنايانا.. فلم نعرف لنا اسما.. ولا وطنا وعنوانا" (1)
ما زلت أعيش على عبق تلك الليلة، التى تجسدت الآلهة
لى فيها، فكنت نبيا رسولا، أتذكر التفاصيل؛ فأعيش الدقائق واللحظات كأنها ما زالت معى،
داخلى هى وأنا داخلها، أغوص فى أعماقها داخلا من باب الجنة، وتغوص فى شراينى داخلةً
مع كل نفس.. أشم رائحتها، حتى اليوم لم أغير فى الحجرةِ شيئا، كل شىء كما تركته ليلتها،
وكأنه قدَر ما تبعثر أن يتبعثر، وما سكن أن يشاهد فى سكون.



من يومها كما قال الحلاج "لم يزدنى الـِورْد إلا عطشـا، لى حبيبٌ حبّه وسط الحشـا.. إن يشا يمشى على خدّى
مشا"، تطهرت من عرق جسدها عندما فاض على وهى تعتلينى، فشعرت أنى أتعمد فى دينها
كالمسيح وقت الرسالة، التهمت شفتيها وأنا فى صراع، هل أغمض عينىّ لأهيمَ فى ملكوت لا
متناه، أم أفتحهما لأتوه فى الملكوت ذاته، دققت وتدى فتأوهَت، فباحت روحى بكل ما بها
من تعبى.. من خطاياى، لتتم رسالتى بين العاشقين رسولا.

حجرتى لا جديد فيها، من ليلتها
صارت عندى قصرا، عندما أود السفر عبر الزمن أدخلها، فتدخلنى روحها، فأسافر حيث تلتقى
أرواح العاشقين.. لون الجدران أبيض، والسرير كذلك، فأنا أعشق صفاء الألوان.. دولاب
يسار الباب ذو لونٍ بنى، والسرير أمامه تماما، وأبجورتان يمين السرير ويساره، ومرآة
على يمين الباب. الحجرة ضيقة نظرا لحجم الدولاب والسرير والتسريحة، لكن حضنها فى تلك
الليلة كان أوسع من البراح.. لبست شورت أبيض وتيشرت أزرق اللون، ووضعت الفودكا والثلج
يمين السرير، شربت حتى سكرت، فعقلى لم يستوعب أننى حقا سأنام ولو للحظة فى حضن محبوبتى..



دق الباب، انتفضت جوارحى، فتحت،
عندما رأيتها جذبتها بشده؛ ارتطمت فى صدرى. أغلقت الباب، وسكنت البراح وأنا أتأوه،
شَعرتْ بما فِىّ من سُكر، فضمتنى بحُنُوٍّ إلى صدرها وهى تقول "ششششششش.. إهدا..
أنا معاك".. كنت أقرأ عن الحب روايات وقصصا، لم أصدق يوما ما قيل فى العشق حتى
عرفتها؛ آمنتُ و"كفرتُ بدين الله والكفر واجب علىَّ، من الظلام ينبثق النور
، ومن الكفر نعرف الإيمان" (2)، هدأتُ تماما،
أبعدتنى عنها برفق وقالت: "أغير هدومى ممكن؟!"، لم أتكلم، أشرت برأسى فى
حالة من الاستسلام مستجيبا. ذهبتْ إلى الحمام، فجلستُ أمام الباب على الأرض، الفودكا
فى يمينى، والعشق كله فى يسارى. رأتنى بمجرد أن خرجت، فابتسمت:

"إنت قاعد ليه كده؟"

-  "مستنيكى!"

-  "إستنى فى الأوضة يا حبيبى.. تعالى"

قمت
معها وأنا ثمل قليلا، الفودكا بطل مفعولها أمام حسن دلالها، كيف أسكر فأتوه عنها؟!
شقراء، مؤخرتها مستديرة، منتصبة، نهداها مرمر، يختصر فى حضرتهِ ما لا يخطر على قلب
بشر، حلماتها هرمان شامخان، ورديتان، جلدها ناعم.. أنعم من الحرير، شفتاها غير معلوم
لونهما، ملفوفتان من خدود الورد، مغموزان خداها، شعرها غجرى مجنون، يسافر كشعر حبيبة
"حليم" فى كل الدنيا. دخلنا الحجرة، أمسكت منى كأس الفودكا وارتشفت منها،
ثم قبلتنى، فسارت الفودكا تخرج منها إلىّ ومِنّى إليها، الآن سكرت، الآن دقت موسيقى
ڤيڤالدى "الفصول الأربعة" فى الحجرة، لا أعرف هل كانت تدور فعلا، أم أن الكون
عزفها لأجلى.. "ما زلتُ أطفو فى بحار الهوى.. يـرفـعـنى المَـوْجُ وأنحطُّ.. فتارةً
يـرفعـنى مَـوْجُـهـا.. وتـارة أهــوى وأنـغــطّ" (3) لا أعرف هل كنت يوما ما
شاعرا، أم أنه وحى عشقها، وجدتنى أقول أنتِ كعبتى وقبلتى ويقينى.. عشقٌ، غاص بشرايينى..
وأصبحت أنا
فى ملكوت الهوى، عصفورًا أشدو فى كل وكنة صباحا.
.تسابيح قلبى وترانيمى"..
ابتسمت، فأنارت الدنيا بفعل صفَّى اللؤلؤ المصفوفين بدقة متناهية. اقتربت منى
أكثر، كنا منتصبين ملتصقين ببعضنا، ووتدى يخترق كل الحواجز، مجنون يبحث عن بابه. رائحة
جسدها لا مثيل لها، إنما يشببها كل العنبر والعود والكاسيليا، أنفاسها كانت ساخنة للغاية،
ملت بكُلّى على شفتيها ألتهمهما.. فمدت يدها تتحسسنى من تحتى.. آآآآه، لا أعرف هل أفيق
أم أسكر، أعى أم أتوه.. انتفض وتدى مخترقا كل شىء، أنزلت عنى الشورت، وركعت أمامه،
فسجدت روحى، أخذت تأكل تحتى وأنا أولد.. أخلق.. أتكون بفعل لمساتها غير المحسوبة سرعتها،
ولا معلوم مدى تأثيرها.. قامت فردت روحى إلىّ.. أو فارقتنى، لا أدرى.. انحنيت بكاملى
عليها، فسقطتْ مستسلمة على السرير، خلعنا بسرعة الضوء ما تبقى من ملابسنا، أخلعتنى
وأخلعتها.. كلانا يسابق الزمن فى الكشف عن أسرار الآخر.. فتحت طاقة النور، اعتدلت فوقها..
صدت يدها فى صدرى وقالت مترجيه "بالراحة"، ابتسمت.. أنا الذى خلص الرجاء
من رجائها، والآن ترتجينى، ما زلت أنا الراجى يا سيدتى.. اقتربت نحو "سدرة المنتهى"
فانفتح بابها، يستقبل نصفه الآخر.. سكنت أخيرا، آآآه.. آآآه.. آآآه، لا أعرف من أين
يخرج التأوه، منى أم منها، ولا أدرى، هل أعتليها فعلا، أم تعتلينى، ظل جسدى يترنح فوقها
كفارس يجرى به حصانه، رغم فروسته يخشى تهور الفرس.. ورغم ثقته يخشى أن يسقط فيهرب المهر..



تقلبنا..
تعانقنا.. أنجبنا ليلتها السعادة.. والحب.. وقصائد عشق مجسدة.. الحب الذى يخرج فى كلمات
عشق منتحر، العشق فعل، والحب أن تقبل حبيبتك، والهُيام لحظة الفيض بالأسرار.. آآآه
"أغرقتنى بمائها" فتعمدت بعمادى، وتطهرت على طهرى، وصليت دون سجود، توسلت
لغير الإله، وإنه لحق، آمنت بغير الدين، وإنه لصدق، تبدل جلدى، وأنه لاكتمال عن باقى
البشر.

هل انقلبت
الدنيا، أم انعدلت، وأى جنة يؤمنون بها بعد نومى وأنا أحضنها من ظهرها وأستكين وتسكننى،
أوبعد تلك الجنة جنان!

قمت من نومى..
أيقظتها، قالت وهى لا تتحرك:

-  "مابتشبعش؟"

"الشبع من
الجنة كفر!"

-  "كفاية فلسفة"

"إزاى ماتفلسفش
وانتى منهج استقراء؟"

-  "ارحمنى"

"لما ترحمى
شوقى"

-  "طماع"

-  "الطمع فى
حضرتك فرض"

أتذكر كل
كلمة، فقط أشرب الفودكا، وأسمع صوتها، أرى أمامى كل شىء كان، آمنت بعد كفر، وكفرت بعد
إيمان، آمنت بكل ما كفر به الناس، وكفرت بما آمنوا به، من رأى ما رأيت سيعلم أن الأنبياء
حق، وإن لم يستدل تاريخا عليهم.

تركتنى حبيبتى..
أخرجت من الجنة كآدم، ومن مكة كمحمد، ليت كان لى نصيب من خروج نصر أبوزيد، حيث خرج
مع حبيبته، ولكنى هبطت منها، وما زالت أنتظر الهدى، هل تعودين يا حبيبتى؟ كل شىء كما
تركتِه إلا أنا.. مهلهل الروح، مسلوب الإرادة، أسير اللاشىء! الوداع من سنن الكون،
آمنت به وكفرت بمن سنه!



(1) قصيدة شعر كانت بيننا ليلة للشاعر الكبير فاروق جويدة.

(2) مقتطعة من كلمات الحلاج

















































(3) من أدبيات الحلاج


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده





افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق