مقال عن رواية جو العظيم

2018-11-04 19:02:26 اقلام و اراء ...






بقلم: رجب منى السيد.

في رواية "جو العظيم" للروائي أشرف الخمايسي، كان السرد ملبد بشيء أسميته: لزوم ما يلزم. يعني أن السرد يكون عشوائياً في داخل هيكل محدد الملامح، فالكاتب قد وضع لنفسه ما يكون احتجاجاً لذكر ما يريد هو ذكره، وذلك لسببين: كي لا يواجهه سؤال القائل: ما الداعي لذكر هذا الحدث. وثانيهما لدعم الصورة التي يريد توصيلها لعقل القاريء. فابتدأ السرد بالكلام عن القبطان الذي قد أسس سفينته المسماة: جو.
ولأن الكاتب اختار تلك الافتتاحية: إذ القبطان هو مؤسس السفينة جو، فإن ذلك قد تناقض جداً مع الإسقاط الذي أراده هو. فهو، وبوضوح شديد، يشير للسفينة بأنها البلد، وللقبطان الغشيم بأنه الحاكم، وهاك هو يذكر السلفي والعقلاني والمثقف، ويضيف معهم المسيحيين فمنهم المسيحي العادي بالوراثة ومنهم المسيحي المتشدد جداً وهو نقيض السلفي، أو قل أن المسيحي المتعصب هو الموازي للمسلم السلفي. لقد كان إسقاط الكاتب واضحاً جداً، غير قابل لأكثر من تأويل ولذلك: ابتعدت الرواية جداً عن أن تكون رمزية.
ولقاريء مثلي أن يفتش عن الرمز في أمورٍ أخرى غير الإسقاط المباشر، فمثلاً قلتُ لنفسي: قد أجد الرمز في صراعات مثل الخلود والموت والتصوف.. إلخ. أو أن أجد الرمز في رؤية الكاتب للمرأة. أو أن أجد الرمز في الخاتمة.
لم أجد الرمز الذي يشبعني في أي منهم.. ولكنني أبديت إعجابي بالإسقاط الأخير حينما تحطمت السفينة وجُعل من رفاتها جزيرة خشبية، بقي عليها السلفي والمثقف والمسيحي ورجلٌ عادي، وخامسهم امرأة. لقد أيقن كل هؤلاء، أن نجاتهم واحدة لأن مصيبتهم واحدة، فإذا بالسلفي يعيد التفكير في تشدده الغبي، والمثقف يعيد التفكير في هجومه الشرس بلا داعٍ على السلفي، والمسيحي يدرك أنها مسألة إنسانية اصلاً وبالطبع فلقد صار واضحاً للجميع أنها مسألة إنسانية اصلاً. ولكن من المرأة هنا؟ بكل أسف، وبرغم الرؤية الإنسانية البديعة للمرأة إذ كانت المرأة الوحيدة بينهم عاهرة سابقة ولها تاريخٌ مشين، إلا أن الكاتب لم يبد ليَّ إلا كذكوري أصيل يؤمن بعقيدة الحرب! لأن عقيدة الحرب لا ترى في المرأة غير وسيلة للتناسل وجذب المزيد من الرجال، ولا يهمني أن الإسقاط كان بين مجموعة العالقون في جزيرة خشبية وسط المحيط، وإنما الأمر الهام جداً هو: كيف صوّر الكاتب صراعهم، فالتصوير هو الكاتب!
قبل الكلام عن المرأة الوحيدة على السفينة، وقبل الكلام عن التصوير عند الكتب، أريد أن يكون مبتدأ الكلام ههنا عن سبب قولي بإن الرواية غير رمزية:
لقد قلت إن الرواية غير رمزية لأهم سبب عندي: وهو أن فيها إسقاط واضح ومباشر، والرمز لا يصح أن يتفق عليه القراء، وإنما الرمز محيَّر ولا اتفاق على دلالته ولا يصح اصلاً إتفاق على دلالة الرمز.. غير أن الإسقاط ناقض التصور، فالقبطان جو هو مؤسس السفينة، وأما البلد المقصودة بالإسقاط فهي مؤسسة حاكمها، وربما يصح القول بإن إسقاط الكاتب للإهمال الذي أحدثه القبطان في سفينته هو الأدق والأصح، وبالتالي فإن القبطان قد أهمل في سلامة وأمان الركَّاب.. والإسقاط كان فيه الكثير من الإجحاف والظلم، للجميع: للمثقف، للسلفي، للمرأة، للصعيدي. فليس كل المثقفون صورة واحدة، ولا كل السلفيين نسخة واحدة! ولا كل النساء طبعة واحدة، ولا أحد يطابق أحد، ولستُ ادري السبب الذي لأجله اختار الكاتب أن يضيق حدود الإسقاط بشكلٍ شديد التضييق.
وهنا المناسبة للكلام عن المرأة الوحيدة على السفينة، فهو قد اختارها امرأة تمتهن الدعارة، ولها تاريخ مشين، وقررتْ تلك المرأة أن تتسلل بين صفوف المهاجرين غير الشرعيين، وتندس بينهم، وتُضبط في منتصف المحيط! كأنه يريد أن يقول أنها تريد أن تهاجر لتصنع لنفسها حياةً جديدة، فلما أخبرتهم بحقيقة مهنتها احتقروها من جديد. فإذا كانت إشارة الكاتب بأن السفينة هي الوطن، فلقد خالفه الصواب بإختياره لإمرأة من صنف واحد كأن لا أحد غيرها! ومن يدري: لعل الكاتب قد أراد أن يشير إلى منظومة الزواج في مصر، والحقيقة أن طريقة الزواج في مصر لا تختلف كثيراً عن الدعارة! وهو بالتحديد الصراع الذي اشتعل بين الأربعة رجال، على من هو الذي سلتهم المرأة، وكان في ذلك أبدع التصوير.
والتصوير في رواية جو العظيم، كان ذكياً ومتقن الصنع.. اختار الكاتب أن يضع التصوير في عدة أزمات، وتكون تلك الأزمات احتجاجه ليورد تصويره خلال السرد. وههنا سوف أتكلم عن الخمسة أزمات التي اختارها الكاتب لحبكة تصويره:

- أزمة الصليب: لأن السفينة ضيقة على عدد مائتين مهاجر غير شرعي، ولأنهم تدفقوا بداخلها بقسوة ودون تنظيم من القبطان، ولأن الواحد منهم يعج بنفسه ويحشرها، فلقد تكونت صورة أول الأزمات: أحد المسيحيين تعلق فوق شراع السفينة، فبدا كأنه المسيح مصلوباً! وقد ابتهل المسيحييون وتهللوا لتلك الصورة ذات الإشارة الدينية. ولكن المسلم السلفي غضب واحتنق ورفض أن توجد أي صورة من صور الدين الخاطيء، ورفض أن يظل ذاك المسيحي معلق كأنه المسيح مصلوباً لأنهم لم يقتلوا المسيح ابداً بل شُبه لهم! فإذا بالمسلم السلفي يرفض فرحة المسيحيين بالمعاناة التي يعيشها صاحبهم فوق الصليب (الشراع) وأخذ يزعق ويثوَّر حفيظة المسلمين الأكثرية: لا تسمحوا لهؤلاء الكفار أن يقيموا شعائر الكفر! يقول ذلك وهو المأزوم! وبالطبع سوف يدور الصراع المألوف جداً بين المثقف والسلفي! كأن لسان حال المثقف يقول: ما كان ضرك لو تركت للمسيحيين حقَّ بناء الكنائس والتعبد فيها!

- أزمة الصنارة: قرر أحد المهاجرون غير الشرعيون أن يتسلى ويضيَّع وقته في اصطياد السمك، ولكن مساعد القبطان الضخم البنيان، لم يكتف بنهرهرلخطورة الصيد في المحيط لأن هناك احتمالية أن يأكل الطعم سمكة قرش أو حوت، لم يكتفي المساعد بنهره، وإنما ضربه بركبته على وجهه، فسقط المهاجر في وسط المحيط ليلقى مصيره الغرق والموت. في تلك اللحظة، انتفض المثقف غاضباً وأعلن رفضه للمعاملة غير الإنسانية، وأثار هوجة بين الركَّاب يدعوهم فيها للثورة على القبطان، ولأن القبطان يريد أن يحافظ على سطوته عليهم، فلقد أرسل مساعده للقبض على المثقف ووضعه داخل السجن! كأن في صورة المساعد تجلى جهاز أمن الدولة! وخلال تلك الأزمة والصراع بينهم، لم يقفز لنجدة المأزوم الغارق غير المسلم السلفي، وبينما كان السلفي يقفز لنجدته كان يدعو الله أن يكون الغارق مسلماً، وإلا فإنه سيتألم جداً لو اكتشف أنه أنقذ روح مسيحياً!

- أزمة الجرس: تشبه بشكلٍ ما أزمة الصليب، إلا أن أزمة الجرس كانت الإسقاط على طقوس شعائر صلاة المسيحيين. السلفي المسلم تعصب لدينه فأعلن أن صلاة جماعية ستقام فوق سطح السفينة لإقامة دين الله. فتأزم المسيحيين، وأعلنوا بدورهم حقهم في الصلاة وضربوا صلصلة جرس إيمانهم، فغضب السلفي عليهم، ولأنهم قلة فلقد اختار القائد القبطان ترضية السلفي المسلم لأنه يخشى انقلاب الأمر بترضية المسيحيين. وكان المثقف على حاله الأول يصارع السلفي ويرفضه ويتهمه بأنه عدو الهوية!

- أزمة المحرك: فجأة تعطل محرك السفينة، وبدا لهم أنهم عالقون هنا للأبد. وهنا يظهر المسلم السلفي ليكبت المسلمين بقوله إن سبب الابتلاء هو الابتعاد عن دين الله (سينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء) وظل المسلم السلفي على عقيدته العجيبة التي يقول فيها بإدعاء أن نصرة دين الله لن تكون إلا بخراب العمران والعالم والأرض ولا بد من حرب عالمية أو زلزال حتى تتحقق نصرة دين الله!

والأزمة الأخيرة هي تحطم السفينة.. نجا من التحطم خمسة منهم، وظلوا عالقين على خشبة جعلوها جزيرتهم، ومع مرور الشهور، استطاعوا أن يوسعوا رقعة السفينة، ويحلوا مشكلة الماء والطعام، ورويداً بدأوا في أول طور من أطوار الإدراك، نحن عالقون هنا ولا بد أن ننجو معاً، ولن ننجوا ما دمنا نتقابل كأننا أعداء، ونحن شركاء!
ومن الأزمة الأخيرة انبثقت الأزمة التابعة لها: أزمة القران.. أربعة رجا بينهم امرأة واحدة، فمن سيتزوجها؟ وههنا يناقض المسلم السلفي عقيدته الأولى بقوله: أنا سأتزوجها لأنجب منها ذرية تنشر دين الله الإسلام في الأرض! وخالف المسلم السلفي -من أجل شهوته الجنسية- عقيدته التي تقول بضرورة خراب كل شيء حتى يكون دين الله متحققاً.

وشكراً للكاتب أشرف الخمايسي.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده





افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق